ابن عربي
311
مجموعه رسائل ابن عربي
البسط إلى باب المشيئة ففتحت ما بين باب جزئي وباب كلي وجعلت المرآة الكريمة الصقيلة تجاه الباب الكلي فانطبعت فيه الصور الكائنة خلف ذلك الباب الكلي وهي منازل العالم الكبير بأسره وحقائقه فتقعد عين البصيرة تتفرج في شيء واحد لا يتحيز ولا يرد رأسه لا يمينا ولا شمالا ولا إلى جهة من الجهات فإذا قرن ما تجلى في مرآة القلب مع المتجلي نفسه جاءت صورة المرآة ألطف وأحسن وأحكم وأبدع من ذوات المتجليات وعلى قدر اللطافة والحسن والجمال تعظم اللذة في نفس المشاهدة وأما الباب الجزئي فهو باب حكم التجلي وأسرار المتجليات ، وما أبدع في طيها من المعارف القدسية والمعالم الربانية المتعلقة بالحضرة الإلهية وهي التي لا تتناهى لكونها غير حاصلة في الوجود لأن ذلك راجع إلى فهمك وإلى ما يوجده الحق فيك عند مشاهدتك إياها لا إلى ذواتها فغايتها السببية في تحصيل الأسرار التي تدل عليه عندك فهي حروف وألفاظ جاءت لمعنى يوجدها الحق فيك مقترنة بشهودها ولا يكون فتح ذلك الباب إلّا على قدر ما يريده الواهب أن يفتح منها على من يشاء من عباده لكنه في المزيد على الدوام فمقامات العوالم محصورة ومعالمها وأسرارها محصورة ثم لا يزال كذلك يأخذ من هذا العالم المواهب الإلهية على مراتبها ويدفعها للفقراء ممن دونهم على مراتبهم ومنازلهم وحجاب غفلة الكون دونه مسدول حتى تمتد له اليد المقدسة فكل شيء هالك إلّا وجهه فيلوح له عند ذلك حجاب الكون وسد الغفلة أمامه فترفع الهمة لخرق ذلك السد ورفع الحجاب فينادي من خلف الحجاب لا يصل إلينا من استمسكت يده بشيء من غير حضرتنا فازهد تجد الغنى والراحة واترك العالم وموجدهم أي لا تعترض عليه فيهم أتريد أن تكون ربا ثانيا فيتوب القلب عند سماع ذلك الخطاب ويستغفر ويتضرع ويغمض عينيه عن ملاحظة نفسها ومشاهدة مرآتها فتطوي اليمين عند ذلك سماء القلب ، وتميط عنه أكونه وتبدو العين السليمة فإذا بدت شهدت اليمين اليمين والنعت النعت والاسم الاسم والذات الذات واجتمع الكل وانتظم الشمل وأطلع على الملك بأسره فوجده في قبضته مرتقما في حقيقته ، حقيقته اللطف منه في مرآة قلبه لأنه شاهد في مرآة موجده فارتقم فيه من لطف إلى لطف وإلى هذا المقام أشرت بقولي في قصيدتي التي كتبت بها إلى أبي العباس الرقاشي ( رضي اللّه عنه ) : فمنها وجود الخلق في الحق فاعتمد * عليه ولا تبدو لديك نفوز